الأحد، 19 فبراير 2017

سقف وطن..بقلم المبدع // مازن جبان

سقف وطن....
ذات صيف ...أرقب أسراب السنونو المهاجرة من بلاد بعيدة طلبا للدفء...وككل صيف تتزينُ سماءُ دمشق بتلك الطيور الأنيقة ... ترى من أي بلد أتيتِ أيتها الغريبة؟؟
كم كنت أعشق تلك الطيور...صوتها ...شكلها الانسيابي...طيرانها الرشيق...تسبح في فضاء فسيح، لا تمنعها حدود...ولا يزعجها موظف جوازات...
طالما تمنيت لو أن الله خلقني مثلها...حراً ، سيداً ، طليقاً... يكفيني أن أرى الأرضَ من سماءٍ ، و أشاهد البشرَ من عَلٍ...
في ذاك اليوم الصيفي ، تذكرتُ مسرحيةً قديمةً اسمها صح النوم... أدّتها فيروز وألّفها ولحّنها الرحابنة...
تتلخصُ تلك المسرحية.. بقصة صبية اسمها ( قرنفل ) تطلبُ من الوالي إذناً لبناء سطحٍ لبيتها المتهالك ..بيت غطته ب(الشمسية)... كانت حزينةً وخائفةً أن تصل طيورُ السنونو ، وبيتها دون سقف... فكيف لأسراب السنونو أن تعشعش على سقف بيت (بشمسية)!!!...
أما الوالي الذي كان ينام كلَّ الشهر ، ولايستيقظ إلا إن اكتمل البدرُ ليختم ثلاثَ معاملات لاغير ويعود ليكمل نومه شهراً كاملاً ، كان في كل مرة يرفضُ طلبَها...
ضاقت قرنفل ذرعاً بذاك الوالي ، فسرقت الختمَ في غفلة من الحرس ، والوالي غارقٌ في سباته... وقامت بختم جميع معاملات الناس المتعطلة ..ثم ألقت بالختم الخشبي في البئر...محاولة إخفاء جريمتها...
يصحو الوالي ، وقد انتصف الشهر ، ليجدَ البلدَ قد تغير كثيراً..فالعمران عَمَّ..والطرقات شُقّت..والتجارة ازدهرت..فلا يكادُ يعرف بلدتَه..ليدركَ أن الختم قد سُرق... وليس لديه مايختمه ...
يُجَنُّ جنون الوالي ، ويتهدد ويتوعد بانزال عقابٍ شاملٍ مالم يتم القبض على الجاني ، و يَعُود الختم للدولة...
وتحوم الشبهاتُ على قرنفل..تلك المعترضة دوماً... وبسهولةٍ غير متوقعة ، تقرُّ قرنفل بسرقة الختم.. فيصدر الوالي أمراً بنفيها إلى البراري ، على ظهر فرس وحشي ...حتى تلقى حتفها..لكن القرار كان عصياً على التنفيذ لعدم وجود ختم يعطيه شرعية ذلك التنفيذ...
وتدور محاورة طريفة بين الوالي وقرنفل ، يتوسلُ خلالها الوالي لتلك الصبية أن تُرجعَ الخَتم لينفّذَ بها الحكم!!!...تناقض غريب ينقلب فيه الجلاد إلى ضعيف أمام ضحية لاتملك من أمرها إلا سراً في صدرها...
وللمفاجأة ، تبوحُ قرنفل بمكان الختم الذي ألقته في اليمّ ، راضخة لتوسلات الوالي ، رغم علمها أن ذلك سيكلفها حياتها... وبمساعدة الجلادين تنزل إلى قاع البئر ، وتحضرُ الختم ...
كانت فرحة الوالي عارمةً بعودة ختمِ الدولة ، فيقرر منحها عفواً عما اقترفته ، ويعترف أنها كانت سبباً لنهضة البلد من تخلفها... وتحوزُ بذلك شرفَ ختم معاملات المواطنين ، بينما يعود الوالي لنومه الذي جفاه في تلك المِحنة....
قرنفل...أيتها الصبية الجريئة...أنت بشجاعتك رمّمت سقفَ بيتك...وجاءت أسرابُ السنونو لتعشعش فوقه آمنةً مطمئنة...
تُرى...هل سيجدُ السنونو القادم من البعيد سقفاً لوطن...يستريح عليه من تِرحاله الطويل؟؟؟...
أم سيكمل هجرته ، هاربا... بعد أن تاهت عليه المعالم...وضاعت تحته الأسقف... !!!!...
مازن....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق