الاثنين، 8 مايو 2017

بثينة الجزء الثاني . بقلم المبدع // محمود مسعود

بثينة الجزء الثاني 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 ظهرت نتيجة الامتحانات بعد ظهر اليوم وعلقت كشوف بأسماء الطلبة الناجحون وعرف كل منهم نتيجته ، كل الدفعة نجحت ولم يرسب منهم أحدا ، وكان هذا إيذانا بافتراق الأصدقاء والأصحاب في متاهات الحياة ودروبها ، مرت الشهور سريعا ، وكان اللقاء الأخير الذي جمعها بأصدقاء الدفعة عندما تقابلوا في مبني شئون الطلاب لسحب ملفاتهم ،وعرفت أنها ضمن المكلفون بأداء الخدمة العامة ( وهي خدمة يؤديها الخريجون من الإناث ومن بعض الذكور الذين لا يؤدون الخدمة العسكرية ) وتكون غالبا حسب التخصص في التعليم النظري ، لحسن حظ بثينة جاء تكليفها للخدمة العامة بكلية الآداب ، تلك الكلية التي يطلقون عليها في أوساط الشباب كلية الكعب العالي نظرا لكثرة الطالبات بها ، كان اليوم يوم سبت أول الأسبوع ، وكانت المقابلة مع عميد الكلية ، رحب بطلبة الخدمة العامة في احتفال صغير بمكتبه ، وترك الجميع مع وكيل الكلية لشئون الطلاب لإلقاء التعليمات عليهم مذكرا إياهم بأن الخدمة العامة لاتقل أبدا في أهميتها عن الخدمة العسكرية ، وأشاع في نفوسهم النشاط والإقبال علي ماهم بصدده، توجهت بثينة عقب اللقاء إلي مبني مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة ( فاقدوا البصر ) لأن عملها سيبدأ معهم إلي أن تنتهي سنة الخدمة الإلزامية ، هناك قابلت المس سوزان المسئولة عن المبني ، شرحت لها عملها باختصار وهو قراءة الدروس والمحاضرات للطلبة الذين ستتعامل معهم وهم من أقسام مختلفة ، ولكل قسم حجرة خاصة به ، دلفت إلي إحدى الحجرات ، كان يوجد بها بعض الطلاب كل واحد منهم مشغول أما بالاستماع إلي مسجل ينبعث منه صوت أجش لإحدى المحاضرات ، أو بالكتابة بطريقة برايل ، ألقت السلام بصوت هادئ وفي نفس الوقت مسموع ، توقف الكل فجأة وأداروا وجوههم ناحية الصوت ، وردوا في نفس واحد السلام ، عرفت نفسها : أنا بوثينة عبد المجيد طالبة الخدمة العامة الجديدة ، ثم سألت : هذه الحجرة خاصة بأي قسم ؟ أجابها أحد الطلبة وهو مبسوط كما يبدو من كلامه ، قسم الفلسفة ثم أردف قائلا : أنا أحمد عبد السميع ، وأشار بيده في الناحية الأخرى من الحجرة وهذا عاشور محمد ، واللي بجانبه مايكل مدحت ، واللي أمامه إبراهيم عبد القادر وبنطلق عليه الزعيم ، اندهشت بثينة من هذه الروح المرحة التي يتمتع بها هذا الأحمد وكيفية تفادي الحرج في عدم التعرف بالآخرين ولكنه فعلها بذكاء يحسد عليه ، استأذنت في الجلوس وبالفعل جلست بجوار الزعيم ، وبدأت في التعرف عليه ، أنه ذو عينين مفتحتين ولكنهما لا يبصران ، عينان ملونتين باللون العسلي ، ووجه ملائكي يعلوه شعرا أسودا مسترسلا وليس بالطويل ، مهندما أنيقا ، راق لها ، وأبدت استعدادا تاما للعمل معه ، استحسن إبراهيم صوتها وأراد أن يختبرها فطلب منها مساعدته في قراءة أحد فصول كتاب الفلسفة المعاصرة لميشيل فوكه ، أخذت الكتاب وفتحت صفحاته علي الفصل الذي طلبه إبراهيم وأخذت تقرأ في تأن وتركيز ، انبهر إبراهيم بطريقة إلقائها وقراءتها ، وارتسمت علي شفتاه ابتسامة عميقة لها مغزاها ، لم يكن في حاجة لمعرفة هذا الفصل تحديدا ولكنه كان يختبرها وقد نجحت بامتياز في ذلك ، مرت الأيام ، وبدأت بثينة في توطيد علاقتها بإبراهيم ،وظهر جليا ذلك الارتباط من خلال تعلق كل منهما بالأخر ، إبراهيم ذلك الطالب المجد والمجتهد ، يسمع كثيرا عن العلاقات التي تربط بين أصدقائه وزميلاتهم ، لم يكن يشغل باله هذا الأمر لأنه في قرارة نفسه لدية رسالة أكبر وأعظم من تلك التي ينشغل بها الشباب ، إن هدفه الأوحد هو الحصول علي درجات الامتياز لأنه يهيئ نفسه ليكون معيدا بهذه الكلية ، وطموحه الأكبر أن يتقلد مناصبها العليا فيما بعد ،كان عزيز النفس واثق بها إلي أقصي درجة ولكنها لم تصل حد الغرور ، وبالرغم من أنه من أسرة ميسورة الحال إلا أنه دائم الاعتماد علي نفسه في كل شيء ، تعلم منذ صغره مهنة خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وكانت تدر عليه أموالا من خلالها يصرف علي دراسته ، لم يكن العمى أبدا سببا يجعله يزهد الحياة أو أن يكون عائقا يحول دون تحقيق آماله ، كان يعيش حياته بصورة طبيعية جدا ، يتنقل بمفرده لأي مكان دون مساعدة من أحد بواسطة العصا الخاصة بالمكفوفين ، وبمرور الوقت ، طغي عليه شعور جارف تجاه بثينة لا يدري كيف التخلص منه ولم يبح به لأحد ، كتمه في نفسه علي أمل أن يلعب القدر لعبته السعيدة في التقريب بينهما من وجهة نظره ، في أحد الأيام وأثناء جلوسهما علي أحد الكافتيريات زل لسانه ووجد نفسه تلقائيا يصرح لبثينة ما يكنه قلبه لها ، لم يطلب منها الإجابة علي سؤاله أو طلبه في عجالة ، بل طلب منها التأني والتفكير الجيد في اتخاذ القرار المناسب أيا كان وسيكون سعيدا ولن يتغير من الأمر شيء ، استلقت بثينة في المنزل علي سريرها وهي غارقة في التفكير ، لقد أثار هذا الأمر شجونها وأعادها لأحلامها السابقة التي كثيرا ما حلمت بها مع أدهم زميل الدراسة ، ابتسمت من سخرية القدر ، هاهو عاد ليتلاعب بها من جديد مع اختلاف جوهري في الموقف ، هكذا أخذت تحدث نفسها ، لاحظت أمها انطوائها المفاجئ منذ أيام مضت ، فهمت الأم ولكنها كانت في انتظار مبادرة ابنتها وإخبارها بما يدور في ذهنها ، والاستماع منها كما اعتادت ذلك ، وجهت إليها سؤال مفاجئ : إيه بابنتي أحوالك هذه الأيام لا تعجبني أراك دائمة السرحان ؟ ما الأمر يابثينة ؟ نظرت بثينة إلي أمها وعينيها تزوغان في المكان وأجابت : لا شيء يا أمي ، نظرت إليها أمها وهي تبتسم ساخرة وقالت : هأ علي ماما ، أجابت بثينة : لا والله ياماما كل ما في الأمر هناك موضوع شاغل فكري ولا أدري له قرار ، قالت الأم : ممكن أعرفه يمكن أستطيع المساعدة ؟ فقالت بثينة : حينما أتأكد منه سأخبرك بكل شيء ، باغتتها الأم بسؤال مباشر : أهذا الموضوع خاص بالعمل أم ......؟؟ ردت بثينة : أم ماذا يا أمي ؟؟ فردت الأم : حب مثلا ، ابتسمت بثينة وهي تنفي لكن تعابير وجهها قالت غير ذلك ، والله ياماما لست أدري وبدأت تسترسل وتبوح لوالدتها بكل شيء في نهاية النقاش ابتسمت الأم وهي تحتضن ابنتها قائلة لها : وماله يابنتي طالما هو إنسان عصامي لا يعتمد علي مركز أسرته المادي فهو إنسان نادر الوجود في هذا الزمن ، عموما يابنتي فكري جيدا لأنها حياتك وأنت التي ستعيشينها وحدك ، تريثي مازال هناك وقت طويل لتتدارسوا بعضكما جيدا وأسأل الله لك التوفيق ثم طبعت قبلة علي جبينها وتركتها وانصرفت لبعض شئونها ، تفانت بثينة في مساعدة إبراهيم لتجاوز أي عقبة قد تقف في طريق دراسته، ومن خلال التعامل معه لشهور شعرت بالتعلق به وكانت كثيرا ما تسأل نفسها : أهذا حب أم مجرد تعاطف ؟؟ إنها نست بالفعل هذا الأدهم الذي تعلقت به سنوات دون أن تبوح لمخلوق بذلك ، والنتيجة أنها حصدت صفرا كبيرا وحمدت ربها أنها اكتفت بالحب من طرف واحد وقد انقطعت أخباره تماما عنها ، إن بدخول إبراهيم في حياتها غير فكرها تماما عن فارس الأحلام الراكب فوق صهوة جواده ويقوم بخطفها في عالم الخيال ليعيشا حياة سعيدة هنيئة ، الواقع أكثر إيلاما من الأحلام هكذا أقنعت نفسها ، إن الوردة الحمراء التي يقدمها إبراهيم لها يوميا صارت عادة وأصبحت حبل الوصال بينهما ولم تعد تقو علي الابتعاد عنه وفي لحظة مكاشفة أخبرته بأنها ليست جميلة فأجابها وهو مبتسم : يكفيني أخلاقك النبيلة وجمال روحك ، يكفيني حبك ، سعدت بثينة بهذه الكلمات التي نزلت عليها كبلسم محي الأوجاع التي كانت تمزقها سنوات وعليه اتخذت قرارها بالارتباط بإبراهيم عقب انتهاؤه من أداء الامتحانات عن قناعة وحب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلمي / محمود مسعود ( قصة قصيرة ) 8/5/20177م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق