يوسف زيدان.... الملحد !!!
القى بجسده الواهن على الكرسي الخشبي القابع في شرفة شقته ، استسلم لنسمات الشتاء الباردة وهي تداعب خصلات شعره الأبيض المنساب على جبهته العريضة ، ما اجمل شمس الغسق وهي تتوارى في خجل خلف البنايات العالية ، ثم تذوب رويدا رويدا في احضان موجات البحر الهادر.
لاحت منه نظرة الى الطاولة الكائنة على يمينه ، وجد كتابا كان قد شرع في قراءته منذ أيام بعنوان "الطريق الصوفي" للدكتور يوسف زيدان، تناول الكتاب برفق وحنو كمن يحمل طفلا رضيعا ، راح يقلب صفحاته حتى وصل الى الفقرة التي كان قد توقف عندها منذ يومين، وجد انها تتناول فلسفة الشيخ الأكبر "محيى الدين بن عربي"، لفت نظره المقطع القائل :
لقدْ كنتُ قبلَ اليـومِ أُنكر صاحبى إذا لم يكن دينى إلى دينِهِ دانى
وقـد صـار قلبى قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيـتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائـــفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنـىَّ توجَّـهـتْ ركائبه فالحبُّ دينى وإيمانـى
ضم الكتاب الى صدره ثم تنهد بعمق وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة راحة و سلام ، مال برأسه الى الخلف، اغمض عينيه في رقة وهدوء ، همس في نفسه قائلا " يا الله ، ما اجمل ان يدين الانسان بدين الحب ، نعم ...هو الحل الأمثل لكل مشاكلنا ، فالاعتقاد باحتكار الحقيقة المطلقة هو اس البلاء ، في هذا العالم لا توجد حقيقة مطلقة ، التغير هو الشيء الوحيد الغير متغير ، حقيقة الامس هي خرافة اليوم ، قمة الجهل ان تعادي انسان لمجرد اختلافه معك في معتقدك ،من الذي يحسم بأنك على صواب وانه على خطأ ؟ لابد وان تقبل الاخر المختلف ، وفي النهاية الحساب عند الله "هو اعلم بمن اتقى "
فجأة ، شعر بغصة في حلقه ،وانسابت دمعة من عينه ، تذكر سني شبابه الاولي عندما انضم الى احد الجماعات الإسلامية واطلق لحيته ، تذكر كيف كان يحتد على والده الراحل وكم اشتعلت الشجارات بينهما بسبب حرص والده على قراءة كتب هيوم وسبينوزا وانجلز، كان يرى ان هؤلاء الفلاسفة ملحدين وان على والده ان يحرق كتبهم ويتوب الى الله .... كم كنت اخرقا ، كيف جرؤت على ان انهر والدي واتخذ منه عدوا لمجرد اختلافي معه في وجهة نظر، يا لغبائي ورعونتي....ها انا الان اقرا كتب كل هؤلاء بالإضافة الى كتب عتاة الملحدين امثال ريتشارد دوكنز وسام هاريس وكريستوفر هتشنز ...رحمك الله يا ابتي...كم اتوق لان اقبل يديك اعتذارا عما بدر مني من حماقة وجهل.
هنا ...اقتحم عليه ولده المتشدد الشرفة وأبصر في يديه كتاب يوسف زيدان فاستشاط غضبا وصاح قائلا :
-ايه ده يا بابا ، بتقرا كتاب ليوسف زيدان الملحد؟
-ليه يا ابني بتقول عليه ملحد؟
- لانه انكر المعراج وده شيء معلوم من الدين بالضرورة.
-وماهو تعريفك للمعلوم من الدين بالضرورة؟
تلفت الشاب يمنة ويسارا ثم ازدرد ريقه وزفر في حدة:
-لو سمحت يا بابا ...ما تغيرش الموضوع !!!
تمت
بقلمي ..محمد جلال

القى بجسده الواهن على الكرسي الخشبي القابع في شرفة شقته ، استسلم لنسمات الشتاء الباردة وهي تداعب خصلات شعره الأبيض المنساب على جبهته العريضة ، ما اجمل شمس الغسق وهي تتوارى في خجل خلف البنايات العالية ، ثم تذوب رويدا رويدا في احضان موجات البحر الهادر.
لاحت منه نظرة الى الطاولة الكائنة على يمينه ، وجد كتابا كان قد شرع في قراءته منذ أيام بعنوان "الطريق الصوفي" للدكتور يوسف زيدان، تناول الكتاب برفق وحنو كمن يحمل طفلا رضيعا ، راح يقلب صفحاته حتى وصل الى الفقرة التي كان قد توقف عندها منذ يومين، وجد انها تتناول فلسفة الشيخ الأكبر "محيى الدين بن عربي"، لفت نظره المقطع القائل :
لقدْ كنتُ قبلَ اليـومِ أُنكر صاحبى إذا لم يكن دينى إلى دينِهِ دانى
وقـد صـار قلبى قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيـتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائـــفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنـىَّ توجَّـهـتْ ركائبه فالحبُّ دينى وإيمانـى
ضم الكتاب الى صدره ثم تنهد بعمق وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة راحة و سلام ، مال برأسه الى الخلف، اغمض عينيه في رقة وهدوء ، همس في نفسه قائلا " يا الله ، ما اجمل ان يدين الانسان بدين الحب ، نعم ...هو الحل الأمثل لكل مشاكلنا ، فالاعتقاد باحتكار الحقيقة المطلقة هو اس البلاء ، في هذا العالم لا توجد حقيقة مطلقة ، التغير هو الشيء الوحيد الغير متغير ، حقيقة الامس هي خرافة اليوم ، قمة الجهل ان تعادي انسان لمجرد اختلافه معك في معتقدك ،من الذي يحسم بأنك على صواب وانه على خطأ ؟ لابد وان تقبل الاخر المختلف ، وفي النهاية الحساب عند الله "هو اعلم بمن اتقى "
فجأة ، شعر بغصة في حلقه ،وانسابت دمعة من عينه ، تذكر سني شبابه الاولي عندما انضم الى احد الجماعات الإسلامية واطلق لحيته ، تذكر كيف كان يحتد على والده الراحل وكم اشتعلت الشجارات بينهما بسبب حرص والده على قراءة كتب هيوم وسبينوزا وانجلز، كان يرى ان هؤلاء الفلاسفة ملحدين وان على والده ان يحرق كتبهم ويتوب الى الله .... كم كنت اخرقا ، كيف جرؤت على ان انهر والدي واتخذ منه عدوا لمجرد اختلافي معه في وجهة نظر، يا لغبائي ورعونتي....ها انا الان اقرا كتب كل هؤلاء بالإضافة الى كتب عتاة الملحدين امثال ريتشارد دوكنز وسام هاريس وكريستوفر هتشنز ...رحمك الله يا ابتي...كم اتوق لان اقبل يديك اعتذارا عما بدر مني من حماقة وجهل.
هنا ...اقتحم عليه ولده المتشدد الشرفة وأبصر في يديه كتاب يوسف زيدان فاستشاط غضبا وصاح قائلا :
-ايه ده يا بابا ، بتقرا كتاب ليوسف زيدان الملحد؟
-ليه يا ابني بتقول عليه ملحد؟
- لانه انكر المعراج وده شيء معلوم من الدين بالضرورة.
-وماهو تعريفك للمعلوم من الدين بالضرورة؟
تلفت الشاب يمنة ويسارا ثم ازدرد ريقه وزفر في حدة:
-لو سمحت يا بابا ...ما تغيرش الموضوع !!!
تمت
بقلمي ..محمد جلال

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق