الأربعاء، 16 أغسطس 2017

القدر . بقلم المبدع // محمود مسعود

القدر ..........!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
وعدهم الأب أنه سوف يصطحبهم في رحلة إلي الإسكندرية ليصيفوا هذا العام لمدة أسبوع في أحد شواطئها الشهيرة ، وقد فاجأهم بأنه قد قبض جمعية ادخر أموالها من مرتبه كي يدخل علي قلوبهم السرور بعد حرمان طويل ، عم المنزل فرحة غامرة ، لم تنبس الأم ببنت شفة من المفاجأة والسعادة ، وحدد الموعد بآخر الشهر ،كانت الأم برغم فرحها إلا أنها في نفس الوقت كانت لا تريد له الإحراج ، سألته : كيف لنا تمضية باقي الشهر يا أبا محمد ، أجابها : ألم أقل لكم أني سأقبض جمعية ستفي بالمتطلبات لهذه الرحلة ولسوف يتبقي منها مبلغ إن شاء نصرف منه إلي حين ميعاد قبض الشهر التالي ، لم تتحدث للمرة الثانية وآثرت الصمت المطبق ، كان الأولاد يحلمون بالرحلة ليل نهار ، وكانت حديثهم الجانبي دائما ، الكل كان يجهز فيما سيصطحبه معه هناك ، الإسكندرية في هذا الجو القائظ جنة ما بعدها جنة ، حان الوقت ، وجاء الموعد للرحيل ، استأجر أبو أحمد سيارة مخصوص لنقل الأسرة إلي محطة القطار الرئيسية في البلد والتي يقف فيها القطار القادم من القاهرة متوجها إلي الإسكندرية ، ولحسن الحظ علم أبو أحمد أن هناك نظام استحدث في حجز التذاكر بالسكة الحديد وهو أن ثمن التذكرة موحد لثلاثة أفراد تبلغ ثلاثون جنيها أي أن الفرد بعشرة جنيهات ، حجز أبو أحمد تذكرتان من هذه التذاكر وكان في قرارة نفسه مسرورا جدا ، كما علم أنه إذا ما ود العودة في نفس اليوم يستطيع بنفس التذكرة ركوب القطار دون دفع ثمن تذكرة جديدة فتأسف لذلك ، ركب أبو أحمد القطار الذي تصادف أنه مزدحم ، في عجالة وبعد أن اطمأن لصعود أولاده الأربعة وزوجته قفز في القطار قبل سيرة بدقائق ، بحث في القطار عن كرسي شاغر ولكن محاولاته باءت بالفشل ، جمع أسرته في ركن قريب من الباب ، وأجلسهم علي الحقائب التي اصطحبوها معهم ، وبدت السعادة تقفز من عيون الأبناء ولكن الزوجة لم تكن كذلك ، سار القطار لأكثر من ساعتين ، وكان الركاب يتوافدون عليه بشكل ملفت للنظر ، حتي أنه لم يعد هناك موضع لقدم به ،لوقوفه المستمر في كل المحطات التي يمر بها ، فهو قطار مراكز وليس قطار مدن ، بدت تلوح في الأفق شواهد مدينة الإسكندرية ، والقطار يزيد من سرعته ، فبدا للركاب أن هذا شيء طبيعي ، كان أبو أحمد يقف بجوار زوجته التي تجلس علي أحدي الحقائب وأبناؤها الأربعة يحيطون بها ، وأخذ أبو أحمد يداعب أبناؤه ويبث فيهم جوا من المرح غير معهود ، وأثناء ذلك صرخ أحد الركاب وكان واقفا علي باب القطار ، القطار القطار ، وفي ثوان معدودة اختفي صوت هذا الراكب وسمع دوي ارتطام عنيف ، ورأي أبو أحمد العربة التي يركبون بها وقد طارت في الهواء ، الركاب كانوا يصطدمون ببعضهم البعض كسمك السردين في علبة محكمة الغلق ، الجالسون طاروا في الهواء خارج القطار ، الذين كانوا يقفون علي الأبواب إما سقطوا خارج القطار وإما سقطوا تحته وفوقهم العربات التي تراكمت فوق بعضها البعض ، لم يشعر أبو أحمد بنفسه ، وأم أحمد لم يكن علي لسانها غير جملة واحدة ظلت ترددها : أولادي ،أولادي ، ثم غابت عن الوعي ، ملأ المكان غبار كثيف نتيجة اصطدام القطار وخروجه عن القضبان بالأرض عقب اصطدامه بقطار لسوء الحظ كان متوقفا علي غير العادة ، تحطم عدد من عربات القطار ، ووقع ضحايا كثيرون ، مابين مصاب وقتيل ، سويعات مضت علي هذا المصاب الجلل ، الجرحي والقتلى مكدسين داخل وخارج القطار ، لحسن الحظ أن الحادث وقع في نطاق قرية صغيرة من قري منطقة خورشيد والتي تبعد عن الإسكندرية بأقل من عشرين كيلو ، هرع أهل القرية عن بكرة أبيهم ، يغيثون الجرحي ويغطون القتلى في صورة ملحمة قلما تتكرر ، أفاق أبو أحمد وكان أحد أبطال القرية يقوم بإنعاشه وسقايته الماء ، سأل أبو أحمد عما حدث ، أخبره الرجل بأنه كان يستقل هذا القطار وأشار بيده علي حطامه فتذكر أبو أحمد أولاده ، أراد أن يقف ولكن كانت قدمه مكسورة فلم يستطع ، سأل عن أولاده وزوجته لم يجبه الرجل لأنه لا يعرفهم والضحايا كثر ، وحتى الآن لم تتحرك الأجهزة المعنية بتقديم يد العون ، فلا إسعاف وصلت لمكان الحادث ولا شرطة ولا دياولو ،كل مابذل في مساعدة ركاب القطار المنكوب من الأهالي الطيبين ،وصلت أولي سيارات الإسعاف بعد ساعة من وقوع الحادث ، أركبوا أبو أحمد إحداها وتوجهوا به إلي أقرب مستشفي وسلموه هناك علي عجالة للعودة واصطحاب جرحي آخرون ، قدموا لأبو احمد الإسعافات الأولية بحجرة الطوارئ ثم نقلوه إلي عنبر العظام بإحدى بنايات المستشفي ، سأله الطبيب عن الواقعة ، تحدث وهو يصارع آلامه ، زوجتي وأولادي كانوا معي في القطار المشئوم أريد الاطمئنان عليهم أرجوك يادكتور ، طبطب عليه الطبيب وقال له مطمئنا إياه سوف يأتيك أحد رجال الشرطة الآن وأخبره بكل ماتريد وعموما هات أسماؤهم وسوف أستعلم لك عنهم في المستشفي لربما يكونوا ضمن المصابين وأتمنى أن يكونوا جميعا بخير ، أملا أبو أحمد أسماء زوجته وأولاده للطبيب ، برغم المسكنات التي أعطيت لأبو أحمد إلا أنه لم يغمض له جفن قلقا علي أسرته التي لا يعلم عنها شيئا ، انتشر خبر حادث تصادم القطارين علي مشارف مدينة الإسكندرية كالنار في الهشيم وبدأت جميع القنوات الفضائية تبث صورا مباشرة من موقع الحادث ، كان الحادث مؤلم وشرعت جهات التحقيق في مباشرة عملها ، والوقوف علي أسباب هذا الحادث الشنيع ، وعلت الأصوات عبر العالم الافتراضي في توجيه أصابع الاتهام للفساد المستشري في هذا المرفق وطالبوا بمحاكمة وزير النقل والمسئولين في هذا المرفق الحيوي ، وغلي الشارع من أقصي مصر لأقصاها خاصة وأنه لم يكن الحادث الوحيد وطالبوا بالقصاص ، سمع أخوة أبو أحمد بالحادث وكانوا يعلمون أنه استقل هو وأبنائه وزوجته هذا القطار المنكوب ، سارعوا بالتوجه للإسكندرية ، وبعد جهد جهيد توصلوا لمكانه في المستشفي الأميري ، توجهوا إليه وراعهم منظر أخيهم ، سألوا عن أولاده وزوجته فأخبرهم بجهله مكانهم ، وطلب منهم البحث عنهم ، كانت وزارة الصحة قد أصدرت نشرة بأسماء القتلى والمصابين وأماكن تواجدهم في المستشفيات المختلفة بالمدينة ، بعد بحث طويل لم يعثروا عليهم !! جن الليل مسرعا وأحاط الحادث غموضا والكل يتساءل : لماذا لم يتحرك أحدا حينما علم أن القطار القادم من بورسعيد إلي الإسكندرية متوقفا لأكثر من ساعة ونصف في هذا المكان ؟ والسؤال الأهم لماذا لم يبلغ سائق القطار القادم من القاهرة بوجود عطل في قطار بورسعيد وأنه متوقفا في هذا المكان ليأخذ حذره والتصرف طبقا لهذه المعطيات ؟ لكن الإجابات جاءت متضاربة عقب وقوع الكارثة ! والكل يتنصل من المسؤولية وجاءت تبريرات المسئولين مائعة وغير مفيدة !! أخيرا بعد جهد جهيد عثر أقارب أبو أحمد علي ذويهم في إحدى مستشفيات مدينة كفر الدوار حيث نقلتهم سيارة الإسعاف إلي هناك لتكدس مستشفيات مدينة الإسكندرية بالمصابين والقتلى !!! كانت الأم قد أصيبت بارتجاج إثر اصطدام رأسها بأحد المقاعد فور اصطدام القطار الذي تركبه بالقطار المتوقف ، أما الأبناء فقد كانت إصاباتهم متنوعة ما بين الكسور والرضوض العنيفة التي تستلزم التدخل العلاجي ولكنهم والحمد لله حالاتهم جميعا مستقرة كما جاء في التقرير الطبي . علم أبو أحمد بسلامة أبناءه وزوجته فاطمئن قلبه ولكن كانت مرارة الرحلة مازالت عالقة بذهنه ويشعر بالذنب لما حدث لأهل منزله غصب عنه ولكنه القدر الذي لا مفر منه . 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
بقلمي / محمود مسعود ( قصة قصيرة ) 16/8/2017م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق